القاضي التنوخي
45
الفرج بعد الشدة
معروفه ، وإنّما أراد أن يعلمنا أنّه قد علم بما صار إلينا ، فأمسك عنه على علم . ثمّ ختم الكتاب بخاتمه ، وخاتمي ، وانصرفت وأنا في الموت ، فلم ألبث أن كتبت وصيّتي ، وأحكمت أمري ، وكنت سنة مغموما ، وذاب جسمي . فقال لي المأمون يوما : يا أبا عبّاد ، قد أنكرت حالك ، أتشكو علّة ؟ فقلت : لا ، يا أمير المؤمنين ، ولكنّي منذ سنة ، حيّ كميت ، لأجل الكتاب الّذي دفعه إليّ أمير المؤمنين ، لأناظر عليه عمرو بن مسعدة . فقال : أمسك عنّي ، حتّى أعيد عليك جميع ما جرى بينكما ، فحدّثني بجميع ما دار بيننا ، كأنّه كان ثالثنا . فقلت : لقد استقصى لك الّذي وكّلته بخبرنا ، واللّه ، ما خرم منه حرفا « 6 » . فقال : واللّه ، ما وكّلت بكما أحدا ، ولكن ظنّا ظننته ، وعلمت أنّه لا يدور بينكما غيره ، ولقد عجبت من غير عجب ، لأنّ عقول الرجال يدرك بعضها بعضا ، وهذا عمرو بن مسعدة ، أعرف بنا منك ، وأوسع صدرا ، وأبعد همّة ، وما أردت بما فعلت ، إلّا أن تعلما أنّي قد عرفت ما صار إليكما ، وتستكثرانه ، فأحببت أن أزيل عنكما غمّ المساترة ، وثقل المراقبة ، وأنّي لمتذمّم لكما ، خجل من ضعف أثري عليكما . فسررت ، وصرت كأنّي أطلقت من عقال ، فشكرته ودعوت له . ثمّ قلت : ما أصنع بذلك الكتاب ؟ . قال : خرّقه إلى لعنة اللّه ، وامض مصاحبا ، آمنا ، في ستر اللّه عزّ وجلّ « 7 » .
--> ( 6 ) ما خرم منه حرفا : ما نقص منه حرفا . ( 7 ) لم ترد هذه القصّة في م ولا في غ ولا ه .